محمد داوود قيصري رومي

719

شرح فصوص الحكم

ونفس - وكان هو السائق أيضا بظهوره في مظهر الهوى الذي به يدخل في حكم المضل - شرع في بيانه على سبيل الإيماء ، وجاء بقوله تعالى : ( ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا ) . استشهادا على أنه هو السائق ، كما أنه هو القائد . فيسوق المجرمين الكاسبين للهيئات والصفات التي بها دخلوا جهنم . واستحقوه بصور الأهواء الناشئة من نفوسهم في الظاهر ، وهي ريح ( الدبور ) ، لأنها حاصلة من الجهة الخلقية والعالم الهيولاني المظلمة إلى عين جهنم البعد المتوهم . ف‍ ( أهلكهم عن نفوسهم بها ) . أي ، أفناهم عنها بتلك الريح ، وأوصلهم إلى ذاته . أو ، أراد ب‍ ( المجرمين ) . الكاسبين للخيرات ، السالكين طريق النجاة ، المرتاضين بالأعمال الشاقة ، المشتاقين لظهور حكم ( الحاقة ) ، فإنهم يكسبون بها التجليات المفنية لذواتهم . فإنه ذكر في الفتوحات عند ذكر الأولياء : ( إنه من الأولياء المشركون ومنهم المراؤون ومنهم الكافرون ) . وأمثال ذلك . إلا أن الكلام الآتي يؤيد الأول . ( فهو يأخذ بنواصيهم ، والريح تسوقهم . وهي عين الأهواء التي كانوا عليها إلى جهنم ، وهي البعد الذي كانوا يتوهمونه . فلما ساقهم إلى ذلك الموطن ، حصلوا في عين القرب ، فزال البعد ، فزال مسمى جهنم في حقهم ، ففازوا بنعيم القرب من جهة الاستحقاق ، لأنهم مجرمون ) . أي ، الحق يأخذ بنواصي المجرمين ويسوقهم بريح الأهواء إلى جهنم . ثم ، فسر جهنم ب‍ ( البعد ) إيماء بأن كل من بعد من الحق بالاشتغال بالأمور الطبيعية والنفسانية ، فهو من حيث ذلك في جهنم . ولما كان في نفس الأمر لا بعد لأحد من الله - إذ المواطن والمقامات كلها صور مراتب الحق - وصف ( البعد ) بأنه أمر متوهم ، ينشأ من توهمهم أن في الوجود سوى وغيرا . فلما ساقهم الحق إلى ذلك الموطن ، أي إلى دار جهنم وأهلكهم وخلصهم عن نفوسهم بالفناء فيه ، حصل لهم عين القرب ، وانكشف لهم أن البعد من الله